الليبرالية السياسية في الثورات العربية (1/2)

دشّنت الثورات العربية، والتي انطلقت من تونس في 17 كانون الأول/ ديسمبر 2010، بداية لحظة استفاقة الحرية في البلدان العربية، وذلك بعد أكثر خمسين سنة من هيمنة الأنظمة الديكتاتورية والشمولية الكليانية، والرثّة والفاسدة، على مقاليد السلطة ومقدّرات الدولة في هذه البلدان التي وصلت إليها بانقلابات عسكرية، كانت دموية في الغالب، وقضت على تجارب نظم ليبرالية ديمقراطية ودستورية، كانت في طور النشوء والتجذّر، في كل من مصر وبلاد الشام، وسواهما.
ومع امتداد الثورات إلى كل من ليبيا ومصر واليمن وسورية، أعادت شعارات المحتجين الاعتبار لمفاهيم (وقيم) الحرية والديمقراطية والدستور والتعددية السياسية وسوى ذلك، وجرت خلال السنوات القليلة الماضية محاولاتٌ لاعادة النظر في مفهوم الدولة بشكل عام، هذه التي تشكلت في مختلف صورها وأقلماتها في الحالة العربية، والأسس التي بُنيت عليها، وفي نموذج الدولة الدستورية الديموقراطية التي أسس لها مفكرو "عصر النهضة العربي"، في كل من سورية ومصر وتونس وسواها، الأمر الذي يفرض على المفكرين والباحثين إعادة النظر في أقلمات مفاهيم الحرية والديمقراطية والمواطنة والفكرة الدستورية، ودراسة ارتباطها بالليبرالية على مختلف الصعد، إضافة إلى دراسة العناصر التكوينية لبنية الدولة الليبرالية الديموقراطية التي تتنفس في النصوص التنويرية النهضوية، وكانت تتكرّر لازمةً في الحديث عن الدولة الوطنية.
وشكلت الشعارات التي رفعت في الثورات العربية، وخصوصا في الثورة السورية، ظاهرة غنية ومبدعة، تدعو إلى التأمل والبحث عن مكنونات مخزونها ومصادره التي تنهل من ذاكرة الإنسان السوري، ومما أنتجه عقله، رداً على سنوات الرعب والصمت والقهر والإذلال والكبت والحرمان من مختلف أشكال التعبير، وخصوصا التعبير السياسي، في ظل عهود الاستبداد الثقيلة.
وتتحدّد مرحلة التأسيس والتظاهر السلمي في الثورة السورية بفترة معينة، تبدأ من الشرارة الأولى للثورة مع مظاهرة الحريقة في 17 فبراير/ شباط 2011، في القلب التجاري للعاصمة دمشق، ثم انطلاقتها الفعلية في تظاهرة سوق الحميدية، ثم في درعا البلد بتاريخ 18 مارس/آذار 2011.
وتمتد مرحلة التأسيس والتظاهر السلمي على طوال سبعة أشهر، أو أكثر قليلاً، وتميّزت بمظاهرات واسعة وبالحراك السلمي لناس عزّل، وتنتهي في جمعة "ماضون حتى إسقاط النظام"، في 16 سبتمبر/ أيلول 2011، ورفعت خلالها شعارات عديدة، أهمها: "عندما نُقتل.. نزداد إصراراً"، و"عندما نُعتقل.. نزداد إصراراً"، والأهم هو شعار "الثورة انطلقت.. ولن يوقفها، سوى إسقاط النظام"، بوصفه الشعار الذي نفترض أنه أعلن اكتمال مرحلة التظاهر السلمي في الثورة السورية، وسيرها نحو مسارات متعدّدة ومختلفة.
ولا تغادر لغة شعارات الثورة السورية ومركباتها تأثيرات الثورات العربية الأخرى، لكنها أظهرت عمق ارتباطها بجذورٍ عميقة، تمتد إلى المخزون الثقافي السوري، وتنهل من المعرفي والحسّي، السياسي والاجتماعي، ومن خلال ارتباطها بالزمن السوري الضارب عميقاً في التاريخ، وفي الوجدان الإنساني، حيث الأشواق والأمنيات والأحلام، ترقد دافئةً في ثنايا الذاكرة الجمعية.
وصدحت حناجر المحتجين في التظاهرات السلمية بشعاراتٍ عفويةٍ أحياناً، ومفكّر فيها في غالب الأحيان، لكنها اكتسبت حمولاتٍ عديدةً مع تحول التظاهرات اليومية إلى مشهدياتٍ بصريةٍ وجسدية، وتشكيلاتٍ فنية، تمازجت فيها شعارات الثورة الجديدة وأغانيها مع ما يختزنه الموروث الشعبي، من أغانٍ وأهازيج وعراضات، محلية شعبية، مع ابتكاراتٍ فنيةٍ جديدة، لم تشهد سائر ثورات العالم الحديث مثيلا لها.
وركزت الشعارات المرفوعة على الحرية والكرامة، حيث انطلق شعار "الشعب السوري ما بينذل" بوصفه أول شعار في الثورة السورية، هتفت به جموع من السوريين في منطقة الحريقة في دمشق، وتأقلم الشعار نفسه في درعا في صيغة "الموت ولا المذلة"، بعد سقوط عدد من الشهداء، ثم تحولت لغة الشعارات من رفض المذلة وإعلاء قيمة الكرامة، وتفضيل الموت على الخضوع، إلى المطالبة بالحرية، وجعلها مقام تشييد للغة الثوار، وذلك بالتلازم مع رفض الاستمرار في العيش في ظل الوضع القائم. وبات شعار "الله سورية حرية وبس"، يكمل ثنائية الكرامة والحرية، بوصفهما مركبي التأسيس للثورة السورية.
وقد نظر الفيلسوف الألماني، مارتن هايدغر، إلى اللغة، بوصفها "مسكن الوجود الذي يقيم في كنفها الإنسان"، وأحد المكوِّنات الأساسية التي لا تشكل وسيلة للتواصل بين الناس فحسب، بل إطارًا ينظم المفاهيم الثقافية والسياسية والاجتماعية التي تشكل المنظومة الفلسفية لمجتمعٍ ما. ولعل من بين هذه المفاهيم ما يرتبط، إلى حد ما، بمسألة "رمزية" اللغة، وهي مسألة يغوص فيها البشر من دون إدراك لها، أي بشكل لا واعٍ.
وفي شعارات التأسيس للثورة السورية، اختُصر الشعار السياسي في أبسط صوره، في كلمةٍ واحدة، هي "حرية"، يؤطّرها الترداد وحركات الأيادي والأجساد، وتصدح بها حناجر المحتجين، صغاراً وكبار، نساء ورجالاً.
ويستمد اقتضاب الشكل روحيته من تركيب المعنى، بالنظر إلى أن هذا اللفظ البسيط يحيل، في البداية، إلى معرفة ثقافية خاصة في اللغة العربية، لكن هذه المعرفة تتجاوز حدود ما تمثله الدائرة اللسانية، لأنه اكتسب بعداً عربياً ثم بعداً عالمياً. والفضل يعود إلى الثورات العربية في تحول الشعار إلى مفهومٍ له أبعاد إجرائية متنوعة على مستوى القراءة، حتى باتت كلماتٌ مثل "حرية" و"ارحل" مقروءة عالمياً، وغدا كل منها علامةً من غير تركيب، تقترح خطاباتٍ عالمية، وتدرك ضمن المقولات المشكلة.
ولا يغيب عن لغة شعارات الثورة عنصرا الذات والذاكرة، فـ "أنا" المحتج ليست حاضرةً في صرخاته فقط، بل حاضرة في أكثر من خطاطة وشعار، مثل شعار "علمني التاريخ.. الذي يكتب بالدم لا يمحى"، وتحول العديد منها إلى مقولاتٍ مفهوميةٍ في الثورة، حولت أصحابها إلى أيقونات.
كوجيتو الثورة
شكلت الصرخة التي خرجت من أعماق أحمد عبد الوهاب "أنا إنسان.. ماني حيوان" كوجيتو الثورة السورية بامتياز، ودخلت قاموسها الفلسفي، بوصفها المفهوم – الحدث المؤسس للثورة التي انبثقت عن حراك احتجاجي سلمي عام، احتجاجاً على ممارسات النظام. وراح أبناؤها ينشدون الأغاني ويردّدون الشعارات، ويطالبون بالخلاص من ثقل الاستبداد المقيم على صدورهم.
ومثل عامة السوريين، فإن أحمد عبد الوهاب لا يتعدى عن كونه إنساناً ينشد الحرية واسترجاع كرامته، وهو ليس فيلسوفاً ولا عالماً، بل شابٌ وجد نفسه في الثورة السورية، بوصفها المكان الذي تحقق فيه كينونته، ثم تحول فيها إلى أيقونةٍ من أيقوناتها، بعد أن دشنت عبارته كوجيتو كينونة الثورة، بوصفها مفهوماً رصفت مركباته مقام الثورة، ودمجت عناصره الذات والذاكرة، وأعلن اكتشاف الذات والصوت واللسان، الأمر الذي يشي بأن "أنا" المحتج باتت حاضرةً ليس فقط في صرخاته، بل حاضرة كذلك في لغة الشعارات والكتابات التي خطها أطفال درعا ومبدعو كفرنبل، وزينوا فيها شوارع وساحات في سورية.
ويمكن استخراج من عبارة: "أنا إنسان.. ماني حيوان" معان ومركباتٍ ودلالاتٍ كثيرة لا حصر لها، ونحملها بحمولاتٍ متعدّدة، تتكاثر أو تتكثر مكوناتها وتتوالد الواحدة من الأخرى، بتغير الفعل وزمنه، والفاعل وضميره، أو بتغيير صيغة الجملة. ذلك أن اللغة العربية، شأن لغاتٍ كثيرة، تمتلك سياقات كثيرة بمعنى واحد أو بمعان كثيرة، هذه القدرة الهائلة على استخراج التعدّد والاختلاف في المعاني والدلالات، أسماها الفلاسفة القدرة على التفلسف.
في هذه العبارة، يؤسس كوجيتو الثورة السورية مفهوماً فلسفياً، أو لنقل مفهوماً ثورياً، يمكن استعراض مستويين يؤطّرانه، الأول: في صيغة "أنا إنسان" التي تجمع بين الذات والوجود الإنساني، إذ حين تُمتهن الكرامة يعتصر القلب ألماً، ويصرخ الإنسان بكل جوارحه: أنا إنسان، بوصفها مقولة تأكيد وجود حرّ. أما المستوى الثاني، فيتحدّد في صيغة "ماني حيوان" التي تنفي عن الإنسان الفرد صفة الحيوانية، ليس انتقاصاً من الحيوان، بل تمييزاً عنه، بامتلاك الكرامة. ومن يمتلك الكرامة يشعر بوجوده الإنساني المعزّز، ويتحرّر من العبودية، حيث الكرامة والحرية، هما مركبا التأسيس في الثورة السورية، جمعتهما أنا الثائر كي تجسد كينونته، فالوجود هنا وجود كينونة، والكرامة هي كرامة إنسانية. لذلك نهضت الثورة السورية على كينونة حرة، رافضة للإذلال والإهانة، الأمر الذي يفسّر أن شعار التأسيس، منذ الشرارة الأولى للثورة، انطلق في صيغة "الشعب السوري ما بينذل" في ساحة الحريقة، في قلب دمشق، ثم وجد أقلمته في مدينة درعا في صيغة "الموت ولا المذلة"، وترادف مع شعار "حرية .. حرية"، حين راحت جموع المحتجين العزّل تردّده في سائر أحياء المدن وشوارع البلدات والمناطق السورية.
ويحيل المستوى الأول لكوجيتو الثورة السورية على الذات الإنسانية الحرّة التي يكتمل وجودها في المستوى الثاني، بوصفه وجود كينونةٍ كريمةٍ أيضاً، ولا أسبقية فيما بين مكونات الكوجيتو، بل ترابط، لا يحيل إلى بناء تراتبيةٍ ما، حيث الكرامة والحرية هما شرطا تحقق الكينونة، فيما الثورة فعلٌ هادفٌ لتحقق الحرية والتحرر، أي شرط تحقق للكينونة، بوصفه شرط وجود الذات، وناظم علاقتها وجودها بالآخر، والعالم والأشياء، وضمن ذلك وجود الوطن والبشر والإقليم والتاريخ.. إلخ.
وعلى الإجمال، يحيل كوجيتو الثورة السورية ذاته إلى قول إشاري حواري، يأخذ صيغة جملةٍ شرطية، ويحتوي على مكونات الكينونة والحرية والكرامة التي تتجسّد في قول: "أنا إنسان ماني حيوان"، بوصفه مفهوماً، تقدّم مكوناته ومركباته نفسها في مركبات قيم تستند إلى الموروث الإنساني، وليس فقط إلى الموروث الثقافي السوري. أما مرجعها فيعود إلى مفاهيم الليبرالية والحداثة وإنجازاتها المعرفية المتعددة.
فهم الثورات
ربما من الأهمية النظرية، أن نمعن النظر ونوسع التفكير في الجوانب الدالة على مطالب الحرية ومركباتها في الثورات العربية، وعلى أقلمات مختلف قيم الليبرالية السياسية، وأن نسبر مكنوناتها في التراث التنويري الليبرالي في بلداننا، كي لا نقع في التفسير الشائع للثورات، وتفسيراتها الاقتصادوية والتنموية وسواها، والتي تقودنا إلى استنساخ مقولات الهيغلية والماركسية وسواهما، بوصفها مقولاتٍ متقادمة، كان لها وجاهتها وأهليتها في عصر معين، لكنها لا تصلح في عصر الثورات العربية، وليس هذا مجالها. مع ذلك، لم يمنع لجوء بعض الباحثين والكتاب إلى استنساخ مقولاتٍ من العدّة المعرفية القديمة لتراث الثورات الأخرى، وأسقطوها على الثورات العربية.
وظهرت الثورات العربية التي قادها الشباب، بوصفها ثورات جمهورٍ عام، مشتتٍ ولا مركز له، جسمه الأساسي تشكّل من مجموعات كبيرة من أفراد، معظمهم من الشباب، انخرطوا في أشكالٍ تنظيمية جديدة، تجسّدت في التنسيقيات واللجان المحلية، وليس في أحزابٍ وتنظيماتٍ تقليدية، إذ لم تكن الأحزاب السياسية سوى كيانات التحقت بالثورات، بغية استغلالها والركوب على ظهرها، وبالتالي أعلنت التنسيقيات واللجان عن ظهور هياكل تنظيمية مرنة، لا يجمع أعضاءها سوى تنسيق العمل، والتحضير لمختلف فعاليات الحراك الاحتجاجي اليومي والأسبوعي، وخصوصا تنظيم المظاهرات في الساحات والشوارع، وكتابة الشعارت المطالبة بالتغيير السياسي وسواه.
ولم ترفع الثورات العربية شعارات قومية أو دينية، ولا يسارية أو يمينية، بل رفعت شعارات الليبرالية السياسية، وعملت على أقلمتها وفق فسحات المجال التداولي العربي، على الرغم من أنها لا تسنتد إلى تراث تنويري وإصلاحي عميق ومتجذّر، كما الثورات الليبرالية الأوروبية الحديثة، ولكن ذلك لا يلغي تأثيرات تراث التنويريين والنهضويين في ذلك العصر الذي عُرف باسم "عصر النهضة العربي"، وما تلاه من محاولات تحرّرية، للخلاص من براثن الاستبداد.
ولعل من الأمور الأساسية، في أيامنا هذه، أن نفهم الثورات التي اجتاحت دول الاستبداد العربي، من حيث ارتباطها بفكرة الحرية، الملازمة لثورات العصر الحديث، بمختلف أبعادها العامة والشخصية، وإدراك مدى التلازم ما بين مطالب الحريات وتجربة كل بلد عربي، حيث زيّنت شعارات الحرية شوارع تونس ومصر وليبيا واليمن وسورية وساحاتها، وصدحت بها أفواه الثائرين السوريين شهورا عديدة.
وقد يعيننا في هذ المجال الالتفات والبحث إلى جديد الحراك الاحتجاجي للثورات، وربط شعاراتها بفكرة الحرية، ومن ثم ربطها بفكرة التحرّر من سلطة الاستبداد المقيم منذ عقود عديدة، خصوصا في الحالة السورية، وتلمس خصوصيتها وفرادتها.
وجرى نقاشٌ واسع بشأن مفهوم الثورة في العصر الحديث، ومدى ارتباطه بالحرية، وهو ما يسم الثورات العربية أيضاً. وربما، ارتباط الثورة السورية بالكرامة أرجح من ارتباطها بالعدالة، لكنه لا يفوق ارتباطها بالحرية، ذلك أن الحرية باتت الفكرة الحاضرة في عالم اليوم، وأكثر مما كان الحال عليه في عالم ما بعد الثورة الفرنسية، بوصفها، أي الحرية، تمثل المعيار الأعلى للحكم على شرعية الأنظمة السياسية وأهليتها وأفضليتها. وبالتالي ليس فهمنا للثورة وحده، بل مفهومنا كذلك للحرية، وهو ثوري بالأصل، هما اللذان يتوقف عليهما قبولنا أو رفضنا الترابط والتلازم بين الثورة والحرية.
في الحالة السورية، يفرض واقع حال القضية السورية، ومآلاتها التي وصلت إليها، حاجة ملحة، تقتضي ضرورة القيام بخطواتٍ جادة باتجاه بحثٍ معمق عن قيم الحرية والتحرّر، حيث كشفت الثورة السورية طبيعة احتلال السلطة الدولة والمجتمع، إذ لم تتردّد السلطة في إقحام قطعات الجيش للهجوم على مناطق المدنيين في مختلف مناطق سورية وبلداتها ومدنها، وأطلقت العنان لأجهزة الأمن وفرق الشبيحة لقتل الناشطين والتنكيل بأي شخص غير موالٍ للنظام، فتزايدت المجازر والجرائم، وتزايدت أعداد القتلى والجرحى والمعطبوين والمعتقلين والمهجّرين، وتزايد الدمار والخراب، وظهرت الانشقاقات في الجيش، ولجأ سوريون كثيرون إلى التسلح، دفاعاً عن أنفسهم وأحيائهم وأماكن سكناهم، وبالتالي أُدخلت الثورة في غياهب العمل المسلح الذي لم يكن خياراً لها، لمواجهة جيش النظام وأجهزة أمنه وشبيحته والمليشيات الإيرانية والقوات الروسية وسواها.
ولعل من بين خصوصيات الثورة السورية أن التطور الحاسم الذي طرأ على مسارها، وللأسف، لم يكتمل تماماً لأسباب عديدة (لا مجال لذكرها هنا)، تجسّد في تحولها من ثورةٍ تنشد الحرية إلى ثورة تنشد التحرّر والحرية معاً، الأمر الذي يستلزم النظر في علاقة الثورة بالتحرّر، مع الأخذ بالاعتبار أن معنى الثورة الشعبية يكمن في أنها فعل مقاوم للظلم والقهر والقمع، أي أنها فعلٌ مناهض للاستبداد في مختلف صوره، وبالتالي مناهضٌ للاحتلال بمختلف أشكاله وتجسيداته.
ولا شك في اختلاف التحرّر عن الحرية، مع أن التحرّر هو شرط بلوغ الحرية، لكنه لا يقود إليها بشكل آلي، كما أن الرغبة في الحرية مختلفةٌ عن الرغبة في التحرّر، مع أن التداخل في القضية السورية كان واضحاً بين الحرية والتحرّر، بل ويمتلك مؤشراتٍ واقعية عديدة.
إجهاض الثورات
لقد حملت الثورات العربية ربيعاً ليبرالياً، واعداً، شكل تهديداً جذرياً لبنى نظم مستبدة، واستدعى ذلك رداً من طرف قوى الثورة المضادة التي كانت تشكل عماد نظم الاستبداد، ولم تتردد في الاستعانة بقوى خارجية، دولية وإقليمية، كي تجهض الثورات الناشئة، الأمر الذي تولدّت عنه هزاتٌ وإرهاصاتٌ عنيفة، أخذت مظاهر فتن مذهبية أهلية، ونزعات وحركات تطرّف ديني متصاعدة، بالنظر إلى الصراع الدائر على المنطقة وفيها، منذ دخولها لحظة الحرية وتجسدياتها الليبرالية، وكانت نتائج إجهاض الثورات كارثية، بمختلف تداعياتها التدميرية ومخاضها العنيف.
وإذا كانت الثورات قد مثلّت استجابةً لاستغاثات الخلاص من نير نظم مستبدة، والتغيير نحو مستقبل أفضل، فإن إجهاضها أدى إلى إحداث شروخٍ اجتماعيةٍ عميقة، وأزماتٍ متعدّدة وحادة، عصفت بدول عربية عديدةٍ لم تستطع نظمها السياسية إدارة الملفات الإصلاحية المطلوبة، فأفضت التحولات المفاجئة إلى تقويض مقومات الاستقرار والأمن في هذه البلدان.
وبينت تجارب الدول الأوروبية أن الحالة الليبرالية سبقتها لحظة بناء الدولة الوطنية القوية، بوصفها درعاً حال دون أن تتحوّل التعدّدية السياسية إلى منصة للصراع الأهلي، بمختلف تجلياته الدينية والطائفية والقبلية، وأن غيابها لا يعطي أي معنىً للذات الفردية الحرّة، بوصفها مرتكز المنظور الليبرالي. ولذلك اتفقت مدارس الليبرالية على مبادئ الحرية الفردية والتسامح ودولة القانون وسوى ذلك.
وبرهنت الثورات العربية أن الديمقراطية من دون أفق ليبرالي متعيّن وواضح، لا يتجلى في الليبرالية السياسية فقط، بل في نظام الحريات الفعلي والواقعي، من غير الممكن أن تحل مسألة إشكال التغيير السياسي، ذلك أن الشخصيات الليبرالية في الثورات العربية تصورت الديمقراطية وكأنها حكم الأغلبية بشكل كامل ومطلق، ولم يتلازم هذا التصور مع الأخذ في الاعتبار مسائل الحقوق الفردية والمساواة وحقوق الأقليات والمرأة، بوصفها مفاهيم مؤسسة لليبرالية. وبالتالي بقيت قضية الحرية مطروحة بقوة في الثورات العربية، بالتلازم مع ضمان الحرية الفردية خصوصا. 600 284 - الليبرالية السياسية في الثورات العربية (1/2)

قد يعجبك ايضا