ما يغيّبه الإعلام عن اليمن

دقت الثانية بعد منتصف الليل، حاولت أن أنام لكنني لم أستطع. طفح الكيل يا عزيزي، ولتقل عني ما شئت، فقد خرجت عن قناعة أنني ما دمت سأموت يومًا لا محالة، وأن الموت يأتي مرةً واحدة فقط، فلم أعد أخاف مما سيحصل لي.
ها أنا أخبرك أنت، أن لا تحاول نصحي بالكف عن الحديث عن السياسة وإكمال هذه الحروف التي ربما ستقلتني يومًا ما؛ لأنني اتخذت القرار عن قناعة. إنني يمني وأعرف ما يدور في بلدي أكثر من أي شخصٍ آخر، فلماذا أسكت وأدع الآخرين يتكلمون عوضًا عني؟
لا تتكلم عوضًا عني، لأنك للأسف لا تعرف ما يحصل في اليمن كما أعرف. إنك لا تعرف أن الشعب يموت نفسيًا وروحيًا وبدنيًا. إنك لا تعرف أن الشعب أصبح ينتظر الموت المحتوم، ولكن ما لا تعرفه البتة، في الصعيد الآخر، أن شخصيات مرموقة تعيش حياة البذخ بكل ما تعنيه الكلمة على الرغم من وجود الفقر المدقع والأمراض المميتة.
في اليمن، لن تجد إلا فقيرًا مدقعًا يخاف أن يموت غدًا إن لم يجد كسرة الخبز، أو غنيا فاحش الغنى لا يخطر على باله الفقر أبدًا. لم تعد في اليمن طبقة وسطى البتة، لأن الطبقة الوسطى أنهتها الحرب وأسقط وجودها الاستبداد والظلم. الطبقة الوسطى التي لا ينعم اقتصاد أي بلدٍ بالنمو إلا بها لم تعد موجودة في اليمن.
يموت الشعب اليمني من الجوع والأطراف يتقاتلون من أجل السلطة اللعينة التي أسكرتهم حتى جعلتهم يركضون خلفها كل هذا الركض. أي سلطةٍ هذه، يا سادة، إذا كنتم ستبنونها على بقايا أديم الفقراء ودمائهم؟ أي سلطةٍ هذه إذا كنتم ستصلون إليها بعد إبادتكم للشعب اليمني عن بكرة أبيه، من ستحكمون إذا مات الشعب؟
قد يخبرك الإعلام أن الجيش تقدم، ثم يخبرك أنه تراجع، لكنه لا يخبرك ما بين التقدم والتراجع عن الأطفال والنساء والأبرياء الذين قتلتهم شظايا القنابل الخاطئة أو الرصاص الطائش. قد يخبرك الإعلام عن تحركات الرئيس، لكنه لا يخبرك عن معاناة الفقير. ربما يخبرك عن مقتل قائد بين جيشه، ولكنه لا يخبرك عن مقتل رجلٍ بين أولاده. إنهم جبناء، يا عزيزي، فهم لا ينتقون سوى أخبار الأقوياء وينسون الضعفاء.
لا تكاد الألسن تنطق حتى تجد أصحابها في غياهب السجن، وأنا أعرف كثيرين ممن خرجوا لأخذ مستحقاتهم فلم يجدوا أنفسهم إلا في سجون مظلمة، تستنكر جدرانها وجودها ببن أحضانها. إنك لا تكاد تطالب بلقمة عيشك حتى يتهموك بخيانة الوطن. إنك خائن ما دمت تطالب بالعيش، خائن ما دمت تريد أن تتنفس كما يتنفسون، وتأكل كما يأكلون، إنك خائن ما دمت تريد أن تعيش بسلام.
قتلت الحرب التي تعيشها اليمن عشرات الآلاف من المواطنين الأبرياء، وجرحت كثيرين منهم. لقد تحولت اليمن إلى جحيم؛ حيث يعيش أبناؤها أسوأ أزمة إنسانية عرفها العالم. نتطلع جميعًا، نفكر "كيف ستكون نهاية هذه الحرب"، لكن لا بريق في الأفق يلوح بمخرج للحرب.
قيل إن الحرب ستمكث ما بين حيضتي امرأة وسترفع بعد ذلك أوزارها، لكن النساء تزوجن ثم حبلن ثم ولدن أطفالًا وقتلتهم الحرب، ولم تنته الأسابيع التي قيل إن الحرب ستنتهي فيها، وكأنهم وعدونا بحيضة امرأة بلغت سن اليأس.
الشعب اليمني لا يملك الحق أن يقول للآخرين إنه مظلوم، وهذا أكبر أنواع الظلم.

قد يعجبك ايضا