عالمية

تسجيلي هو أم وثائقي؟ أسئلة واشتغالات

Banner - تسجيلي هو أم وثائقي؟ أسئلة واشتغالات

التنويع سمة "مهرجان الإسماعيلية الدولي للأفلام التسجيلية والقصيرة". مسائل التنويع عديدة، في الجغرافيا والأشكال والمواضيع والانفعالات، كما في التناقض الواضح بين أعمالٍ تميل إلى النمط التلفزيوني في مقاربة القضايا المختارة، وأعمال تحافظ على جمالية سينمائية في الفيلم الوثائقي. النمط التلفزيوني يوصف بالتسجيلي، تمامًا كاسم المهرجان منذ تأسيسه قبل 21 دورة. التسجيل يقترب من الريبورتاج، فهما غير معنيَّين بالصورة كفنّ يمتلك خصوصية جمالية في توثيق لحظة أو حكاية أو انفعال. الوثائقي يتحرّر من كلاسيكية الاشتغال، التي يعتمدها مخرجون عرب عديدون منذ سنين طويلة، وبعضهم مستمرّ في اعتمادها، رغم التطوّر الحاصل في مفهوم الفيلم الوثائقي وآليات تحقيقه، غربًا وشرقًا وعربًا.
التنويع جزءٌ من حيوية الاجتماع والثقافة والتفكير. لكن مسألة التسمية ضرورية في مرحلة تمتلك نتاجًا بصريًا منقلبًا على كلاسيكية الاشتغال. النتاج المُسمّى "الوثائقي الدرامي" فعل عمليّ لمقاربات وثائقية عربية عديدة، تستعين بمتخيّل يروي وقائع ويوثّق شهادات وينبش مخفيًا، كي يُعرّي زمنًا أو بيئة أو أفرادًا، أو كي يحصّن هذا كلّه من تلف السنين. إدخال فنّ التحريك في السرد الوثائقي يزداد حضورًا، ويمتلك خصوصيته الجمالية بمشاركته البصرية في توثيق المُختار، رغم أنه يفقد أحيانا إمكانية المُشاركة في صُنع المختلف. تمثيل أحداثٍ أو شخصياتٍ يُساهم في تمتين أسس الوثائقي في تحقيق المُراد منه. هذا كلّه لن يتناقض مع رأي السينمائي اللبناني برهان علوية، الذي يعتبر أنْ لا وجود لوثائقيّ أو لروائيّ، فالأهم ـ بالنسبة إليه ـ كامنٌ في وجود مخرج سينمائي من عدمه.
هذه مسائل أساسية في صناعة الفيلم الوثائقي، لكنها لن تكون شرطًا مفروضًا لتصنيف العمل. "تأتون من بعيد" (2018، 84 دقيقة) للمصرية أمل رمسيس تأكيد على جمالية الوثائقي في سرد حكايةِ عائلةٍ وتاريخٍ وبلدانٍ وعلاقات، بلقاء شخصيات أساسية، وباستعادة حقبات وذكريات مع الشخصيات نفسها أو عبرها، جامعًا الحكاية بصُوَر أرشيفية (مُعظمها تلفزيونيّ) عن لحظات تاريخية، وبتصوير حديث لأمكنة شاهدة على تلك اللحظات. للصُوَر الفوتوغرافية دورٌ في السرد، وإنْ تكن الصُوَر عائلية، تخصّ ثلاثة إخوة، لوالديهم مشاركات عملية ومباشرة في أحداثٍ تاريخية، تبدأ بالحرب الأهلية الإسبانية (1936 ـ 1939)، وتمرّ بفلسطين ولبنان، وانقلابات أزمنة وأمكنة وحالات فيهما. تكتفي رمسيس بتوليفٍ باهر لما تملكه من صُوَر ومرويّات، تتوزّع على ماضٍ قديمٍ وراهنٍ مُثقل بذاكرة تلتقي فيها مصائر عائلة وبلدان وقضايا، بمسارات أفرادٍ يكتشفون صلات قربى بينهم بعد أوقاتٍ مريرة، والتباساتٍ جمّة، وبواطن مختلفة يصنعها ظرفٌ أو قرار أو أمٌّ.
الجمالية السينمائية طاغية في "تأتون من بعيد"، توثيقًا وأرشفة وبحثًا ميدانيًا وتنقيبًا عن الحكايات ومعانيها، وعن المسارات وخواتمها، وعن المصائر وأفعال القدر والزمن بها. الجمالية نفسها منبثقةٌ من بناء درامي لوثائقيّ ينبش في سيرة الفلسطيني نجاتي صدقي وعائلته الخاضعة لتشتّت لاحقٍ، بعض أسبابه ناشئ من حماسة الرجل في التزاماته السياسية اليسارية الأممية، التي تُشاركه زوجته الأوكرانية فيها؛ ومن هوسه بأولوية النضال ضد الفاشيات، وبانتشار جغرافيا النضال في الأمكنة كلّها الخاضعة لفاشية أو لاحتلال.
التوليف أساسيّ في مزج صُوَر قديمة وحديثة بنصّ الراوي. أمل رمسيس غير محتاجة إلى إدخال عنصريّ التحريك والمتخيّل، فلديها ما يكفي لصُنع فيلمٍ يتناول ذاتًا وعلاقاتٍ وتفاصيل غير مُدرَكة سابقًا. هذا يُمثِّل نمطًا من اشتغال وثائقيّ، يذهب بعيدّا في بناء عوالمه السينمائية المنبثقة من حالات وانفعالات وتأمّلات ووقائع.
"نحنا منا أميرات" (2018، 75 دقيقة) للسورية عتاب عزّام والإنكليزية بريدجيت أوجيه، المعروض في افتتاح الدورة الـ21 (10 ـ 16 إبريل/نيسان 2019) للمهرجان، و"الموجة التالية" (2018، 71 دقيقة) للإسباني لويس كاليرو، يلتقيان معًا في تجسيد نمط وثائقي يقترب أكثر إلى الريبورتاج التلفزيوني. الأول منصرفٌ إلى تقنية تقليدية عادية في متابعة أحوال لاجئات سوريات في بيروت. جوهر النصّ التوثيقي مائلٌ إلى متابعة روتينية لتدريبات مسرحية، تؤدّي بهنّ إلى تقديم "أنتيغون" (441 قبل الميلاد) للإغريقي سوفوكليس (497 ـ 406 قبل الميلاد)، بما فيها من تفاصيل تتقاطع، بشكلٍ أو بآخر، مع راهنٍ تعيشه النساء السوريات. الثاني منشغلٌ بحكاية واقعية، "أبطالها" 4 شبانٍ إسبانيين يواجهون تحدّيات قاهرة، في ظلّ أزمة اقتصادية قاسية يعانيها بلدهم. ينتسبون إلى معهدٍ يُخضعهم لدراسة تمتدّ أسابيع عديدة، تنتهي بامتحانات تضع الفائزين بها في مواجهة مصيرهم: اختيار بعضهم للعمل في مؤسّسات مختلفة.
البناء السرديّ في الفيلمين مُثقل بوطأة التسجيل. للإضافات الفنية غير التسجيلية وغير التوثيقية دورٌ، لكنها وحدها تعجز عن إخراج النصّ الأصليّ من ورطة التقليد. هناك نبرة في التقاط نبض الحالات تُثير مللاً. النصّ نفسه غير حامل ما يصدم ويكشف ويُفكِّك، وهذا يؤدّي إلى اكتفاء بصري بتسجيل ما يحدث أمام الكاميرا.
الاختلاف بين النمطين المعتمدين في الأفلام الثلاثة جزءٌ من نقاشٍ مُعطَّل، لكنه مطلوب. نقاش يبدأ من أولوية تبديل اسم المهرجان نفسه كي يتوافق وغالبية الأفلام الوثائقية المختارة في دوراته السنوية، وهي أفلام تمتلك حساسية سينمائية آسرة. 600 675 - تسجيلي هو أم وثائقي؟ أسئلة واشتغالات

مقالات ذات صلة

error: Content is protected !!
إغلاق