Take a fresh look at your lifestyle.

يسألونك عن العدالة الانتقالية قل….. بأي ذنب قبرت؟

يسألونك عن العدالة الانتقالية قل….. بأي ذنب قبرت؟

تشير العدالة الانتقالية إلى مجموعة التدابير القضائية وغير القضائية التي تقوم بتطبيقها الدول التي تشهد انتقالا ديمقراطيا من أجل معالجة ما ورثته من انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان وتتضمن هذه التدابير الملاحقات القضائية ،ولجان الحقيقة ،وبرامج جبر الضرر وأشكال متنوعة من اصلاح المؤسسات والهدف منها ، الاعتراف بكرامة الأفراد والإنصاف والاعتراف بالانتهاكات والتعهد بمنع وقوعها في المستقبل .
هكذا عرف المركز الدولي للانتقال الديمقراطي على سبيل المثال مفهوم العدالة الانتقالية . وتونس كنظيراتها من البلدان التي عرفت ثورات على دكتاتوريات ،كان لا بد لها من المرور الى الديقراطية على جسر العدالة الانتقالية لتطهير الجراح وتعقيمها وحفظها في الذاكرة الوطنية والتاسيس بالخصوص لعدم تكرارها .

وقد كشفت السنون ان تاريخ ” الدولة الوطنية الحديثة” دولة الاستقلال الى حين الثورة ، لم يكن بالجمالية التي سوّق لها ، فخلف تلك الصورة المنمقة ،جراحات عميقة عمق الزمن وقديمة وغائرة بين خبايا الشعب التونسي بكل فئاته.

ومع انتهاء أعمال الهيئة عاد الحديث هذه الايام في تونس عن تعثر المسار بل فشله كليا..، الحديث أيضا انحدر بمفرداته الى الحضيض وعوض التمسك بالحقيقة والانتصار للكرامة انزلقت جميع الأطراف في رمي الاتهامات والتنصل من المسؤولية.

تجاذبات لن تنفع البلاد والعباد لأن بناء الديمقراطية لا يكون بالشعارات وبالقفز على الجراحات وأولى الخطوات اليوم هي القيام بالمراجعات الضرورية والعودة الى اصل الحسابات والاجندات الوطنية والانسانية قبل تعكّر الاحوال والانزلاق في متاهات التشكيك والتخوين والطعن والتقاضي والتجريح.. أي اهدار الوقت في النهاية واجهاض التجربة، ويمكن القول اليوم بأنه تم اجهاضها.

مسار العدالة الانتقالية الذي بدأ متعثرا منذ بداياته لما يكتسيه من حساسية، فحركة النهضة الحزب الحاكم والمؤسسة للجمهورية الثانية وصاحبة نصيب الأسد من ظلم دولة الاستقلال، لم تحسن التعامل مع هذا الملف عند صعودها لسدة الحكم في 2011 ، والأسباب عديدة منها أن الثورة التونسية فاجأت الجميع و بطبيعة الحال حداثة عهد النهضة بالحكم، اضافة الى الحسابات السياسية للفاعلين السياسيين والأزمات التي عرفتها البلاد تباعا ، كلها اسباب اجلت فتح هذا الملف على أسس سليمة وجعلت للرباعي الراعي للحوار والمتحصل على جائزة نوبل للسلام 2014 كلمة الفصل في إرساء أولى لبنات الهيئة وانتخاب بن سدرين ومكتبها . لكن أيعقل ان تدار لعبة سياسية ما بحسابات فاعلين آخرين ؟
هنا يصبح من السهل فهم لماذا مجرد ذكر مصطلح العدالة الانتقالية يصيب الكل بالحمى ، الكل هنا على سبيل الجمع لا الحصر ، فالمجتمع السياسي بشقيه من يمين ويسار اضف اليه الدستوريين ضالع في هذا الامر ، وذلك اما بكونه ضحية او جلادا.

ولعل الصراع كان قد تولد منذ اللحظات الأولى لعمل هيئة الحقيقة والكرامة ، منذ حادثة الأرشيف عقب الانتخابات الرئاسية سنة 2014 ،وبدأ الاحتدام مع الجلسات العلنية وتعطيل الإدارة لعمل الهيئة وأخيرا للوصول للمحظور ، لدرجة ما اعتبر مسا من الاستقلال الوطني وبورقيبة ونشر وثائق تتهم فرنسا باستنزاف الثروات الوطنية وبالسيطرة على خبايا الارض والعمل وفق اتفاقيات وقعت زمن الاستعمار والتي لم تنفها فرنسا وشركاتها ..
وربما ما زاد في صعوبة العمل ضخامة الملفات التي بلغ عددها 62.711 ملفا ما يعكس حجم الانتهاكات وتعويل الضحايا وتعليق آمالهم في إرساء العدالة على الهيئة.
من جهة أخرى اصبح المسار كابوس الجلادين والفاسدين والرافضين للديمقراطية والمؤمنين بعنف الدولة كسبيل وحيد للحكم ،خاصة مع الشوائب التي طالته ، ومن استغلال بعض الأطراف لمصالحهم الشخصية والعمل على ابتزاز اطراف أخرى ، وان شخصية “الرئيسة” لم تكن الشخصية الموحّدة التي تحظى بالإجماع من كل الحساسيات السياسية ، وأن الهيئة قد كلفت الدولة سيارات ومقرات وميزانيات مرصودة، وأن السنوات الأربع الماضية كانت كفيلة بإنهاء عملها وتقديم تقريرها النهائي كما كان الحال في جنوب أفريقيا التي دامت العدالة الانتقالية فيها 3 سنوات فقط .

ورغم أن المسار يعتبر محطة أساسية لترسيخ الديمقراطية الناشئة وتكريس المصالحة الشاملة بين أفراد المجتمع . و ما يمكن أن يقدمه من حماية ومناعة لديمقراطيتنا الوليدة ، إلا أن الحزب ( المهيمن على الحكم) يسعى جاهدا للتخلي عنه بكل السبل المشروعة واللامشروعة وربطه بمآلات نتائج الانتخابات ، ولا يخفى بالطبع على احد دخول الأيادي الخارجية على الخط في ظل واقع دولي واقليمي متغير .

وقد نجح في ذلك فالهيئة قدمت تقريرها النهائي لرئيس الجمهورية وأغلقت أبوابها في ظل تعتيم اعلامي رهيب، وتم اختصار مهمتها عملية جبر الضرر التي لن تشمل الا عشرة آلاف فقط من الضحايا (على أن يكون الضحية قد تعرض لمجموعة من الانتهاكات الجسيمة مثل القتل العمد والاغتصاب والاختفاء القسري والتعذيب) هذا إن تم التعويض اصلا بعد أن أعلن رئيس الحكومة عن فشل عمل الهيئة وعن نيته في تقديم مبادرة تشريعية جديدة لإتمام مسار العدالة الانتقالية.

فهل ستتخلى مرة أخرى حركة النهضة عن اكبر ملفاتها حساسية مقابل التوافق في جبته الجديدة؟ وهل سينجح الشاهد في إرساء المبادرة الجديدة؟

بقلم : آمنة يفرني

قد يعجبك ايضا
error: جميع الحقوق محفوظة © رصد التونسية