Rassd Tunisia - 1er site d'information en Tunisie

رحلة موت إلى برّ الحياة

قبل سنوات قليلة، انشغلت وسائل الإعلام العالمية بنقل أخبار وصور قوارب الموت التي كانت تنقل اللاجئين من الجنوب الملتهب إلى شواطئ الشمال البارد. كانت أمواج الهاربين من ظلم ذوي القربى تقطع مياه البحر المتوسط، بحثاً عن ملاذ آمن أو حياة جديدة. نقلت الكاميرات صور أشلاء رست هامدة على شواطئ غريبة، بعد أن لفظتها الحياة، ثم انقسم الإعلام في تتبع أخبار من وصلوا إلى أوروبا تباعاً. وبينما راح الإعلام اليميني يُفصِّل في الأعباء التي جلبها اللاجئون، وثقلهم على التعليم والصحة والخدمات، على حساب رفاهية المواطنين، عمد إعلام آخر، البنّاء أو الإيجابي، إلى تسليط الأضواء على الجوانب الإنسانية التي تفرض استقبال الضحايا، ومنحهم ملاذاً آمناً، من دون إغفال ما يجلبه هؤلاء من فوائد للدول المُستقبلة.
ولكن، ما هي أخبار من عبروا البحر الآن؟ ما هي أخبارهم في منافي اللجوء وملاجئ المنفى؟ هل من عبروا البحر هرباً من موت في البر والبحر نجوا فعلا، وكتبت لهم حيوات جديدة في بلاد اللجوء، بعد أن لفظتهم أوطانٌ جارت عليهم، وكان ظلم حكامها أشد مضاضةً من وقع الحسام المهند؟ قُدّر لكاتب هذه السطور أن يزور، قبل أيام، أصدقاء فرّوا من بين أنقاض مخيم اليرموك، ونجوا بجلودهم، بعد أن صارعوا أمواج البحر الأبيض المتوسط أياما ولياليَ طوالا. رحلوا ببقايا أجسامهم التي نهشها الجوع والعطش على متن بقايا قوارب خشبية، رمتهم على شواطئ الجنوب الإيطالي.
يخبرني صديقي الذي التقيته في جنوب السويد التي وصل إليها قبل ست سنوات حكاية رحلة رعب، صارع الموت خلالها مرات ومرات سبعة أيام وليالٍ، منذ رماهم تجار البشر من شواطئ الإسكندرية المصرية إلى أعماق البحر. يمضي صديقي بقص حكاية أشبه بأفلام الرعب، ويقول: "حشرنا كبير المهربين في بطن قاربٍ لا يتسع لأكثر من ثلاثين شخصاً في أحسن الأحوال، كنا قرابة الثلاثمائة شخص، رجال يتعربشون بحبال الحياة، حاملين حطام نساء كسرهن القهر، وأطفال هم أقرب إلى أكوام لحم فارقتها الحياة. لم ندرِ إن كان القارب الخشبي المهترئ سيقطع البحر؛ أم أن مياه البحر ستنخر خشبه، قبل أن تنحر أجسادنا. مرّت أيام طويلة بين ظلمة البحر ومياهه الموحشة، لا صوت آدمياً في القارب؛ صمت القبور يخيم فوق جثث تنتظر الموت، وحدها صرخات الأمهات تكسر الصمت، مستنجدة بملائكة الرحمة كلما اقترب ملاك الموت من القارب.
أستمع إلى صديقي في منفاه الجديد جنوب السويد، يروي حكايةً أشبه بالأساطير. أرى في عينيه شريط الحكاية التي ستعيش معه وبعده، ويقول: "لم يُعد المهرّبون لنا قارباً للنجاة، بل قبراً جماعياً عائماً، أو كأنهم أعدّوا لسمك البحر وحيتانه وجبة دسمة من أجسادنا. بعد نهارات حارقة، وليالٍ مرعبة، لم تعد الأجساد المكدّسة على القارب تميز بين زعيق طيور النورس ونعيق غربان الموت، كانت كلها تطوف فوق المركب وتطوّقه، لا دواء ولا ماء ولا طعام ولا كساء للهاربين من الموت إلى موت آخر. سرق تجار البشر كل ما لدينا، حتى الدواء سلبوه، رفضوا إعطاء سيدة مريضة دواء السكّري، فكان أن قضى عليها السكّري، ولم يكن لها في المنفى الجديد سوى قبر وقليل من دموع رفاق رحلة الموت.
يقول صديقي: كنا نجري في زواريب مخيم اليرموك، هاربين من قذائف القتل في ساحات الموت، ركبنا البحر لنفوز بالحياة، لكن الموت صار مثل ظلنا. كان هناك على امتداد البحر، يقفز تارة بأمواجه العاتية إلى بطن المركب، ويركل تارة أخرى ظهره، وكأنه يؤرجحنا ما بين النهاية المحتومة والبداية المنشودة. يتوقف صديقي عن سرد تفاصيل معركته مع الموت وسط مياه البحر، ويقول: "بعد رحلة صراع مباشر مع الموت، انتصرنا في الوصول إلى بر الأمان؛ ولكنني لست متأكّدا إن كنا قد انتصرنا في الوصول إلى برّ الحياة". 600 3960 - رحلة موت إلى برّ الحياة

قد يعجبك ايضا